المقريزي

مقدمة 57

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الأولى التي درّست المذاهب الفقهية الأربعة والتي وصلت إلينا آثارها ، وهي : المدرسة المستنصرية في بغداد ( 631 ه / 1234 م ) ، والمدرسة الصّالحيّة في القاهرة ( 641 ه / 1234 م ) لم يكن متعامدا . فالأولى كانت تتألّف من أربعة إيوانات غير متجانسة تحيط بصحن مستطيل « 1 » . بينما تكوّنت الثّانية من كتلتين من المباني كلّ منها عبارة عن صحن وإيوانين معقودين بقبو دائري مدبّب يفصلهما دهليز بطول 28 مترا وعرض 21 مترا من وسط الواجهة . فكانت الظّاهرة التي ميّزت العمارة الأيّوبية في القاهرة ، إضافة إلى استحداث نظام المدرسة ، هي ظهور « الأواوين » في تخطيط العمارة الدّينية « 2 » ولم يجتمع تدريس المذاهب الفقهيّة السّنّيّة الأربعة في مصر في مبنى واحد ، بعد المدرسة الصّالحيّة ، إلّا عند ظهور المدرسة ذات التّخطيط المتعامد Cruciform Plan . وتعدّ « المدرسة النّاصريّة محمد بن قلاوون » ، التي افتتحت سنة 703 ه / 1303 م ، أوّل مدرسة في مصر ذات تخطيط متعامد درّس بها الفقه على المذاهب الأربعة ( المالكي بالإيوان القبلي الكبير ، والحنبلي بالإيوان الغربي ، والحنفي بالإيوان الشّرقي ، والشّافعي بالإيوان البحري ) ( فيما يلي 530 ) ، أي أنّها جمعت بين التّخطيط المتعامد شكلا والمذاهب الأربعة وظيفة . أمّا « المدرسة الظّاهريّة العتيقة » التي شيّدها السّلطان الظّاهر بيبرس وافتتحت قبل ذلك بنحو أربعين عاما ، سنة 662 ه / 1263 م ، فتعدّ أوّل مدرسة ذات تخطيط متعامد في مصر ، لكنّها لم تدرّس الفقه فقط ، إذ خصّص إيوانها القبلي لتدريس الفقه على المذهب الشّافعي ، وإيوانها البحري لتدريس الفقه على المذهب الحنفي ، بينما خصّص إيوانها الشّرقي لتدريس علوم الحديث ، وإيوانها الغربي لإقراء القراءات السّبع . ( فيما يلي 506 - 508 ) . وذهب كريزويل Creswell إلى أنّه إذا كانت أوّل مدرسة لتدريس المذاهب الفقهيّة الأربعة هي : مستنصريّة بغداد ، فإنّ أوّل مدرسة ذات تخطيط متعامد - وهي « المدرسة الظّاهريّة العتيقة » -

--> ( 1 ) ابن الفوطي : كتاب الحوادث ، حققه وضبط نصّه بشّار عوّاد معروف وعماد عبد السلام رؤوف ، بيروت - دار الغرب الإسلامي 1997 ، 80 - 86 ؛ كوركيس عواد : « المدرسة المستنصرية ببغداد » ، مجلة سومر 1 ( 1945 ) ، 76 - 120 ؛ ناجي معروف : تاريخ علماء المستنصرية ، بغداد 1965 ؛ أحمد فكري : مساجد القاهرة 2 : 115 - 116 ، 156 - 160 . ( 2 ) أحمد فكري : « خصائص عمارة القاهرة في العصر الأيوبي » ، أبحاث الندوة الدولية لتاريخ القاهرة 1 : 167 - 168 ؛ صالح لمعي : التراث المعماري في مصر 17 .